خطبة الجمعة الموزعة والمذاعة
بتاريخ 18 من شعبان 1431هـ الموافق 30/7/2010م
صِفَاتُ الْمُنَـافِقِينَ
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذَيِراً، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، الَّذِي أَعَدَّ لِلْمُنَافِقِينَ الدَّرْكَ الأَسْفَلَ مِنَ النَّارِ وَسَاءَتْ مَصِيراً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ جَاهَدُوا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ جِهَاداً كَبِيراً، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْـدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ- فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَخْلِصُوا لِرَبِّكُمْ فِي الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ خَيْراً لِيَوْمٍ لاَ بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خِلاَلَ، قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( [التوبة:119].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
مَا أَعْظَمَ الإِيمَانَ إِذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَأَشْرَقَتْ بِهِ النُّفُوسُ، وَانْشَرَحَتْ بِهِ الصُّدُورُ؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ مَا تَشَرَّبَتْهُ النُّفُوسُ فَفَاضَ عِلْماً وَعَمَلاً، وَقَوْلاً وَفِعْلاً، وَتُرْجِمَ صِدْقاً وَإِخْلاَصاً، وَتَضْحِيَةً بِالأَرْوَاحِ وَالأَمْوَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالإِيمَانُ - يَا عِبَادَ اللهِ - لَيْسَ قَوْلاً- فَحَسْبُ- يُرَدِّدُهُ اللِّسَانُ، أَوْ حُلَّةً يَتَجَمَّلُ بِهَا الإِنْسَانُ، وَلاَ أُمْنِيَّةً تَهْوَاهَا النَّفْسُ، وَيَتَمَنَّاهَا الْجَنَانُ، فَالْمُنَافِقُونَ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ) وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (؟ [البقرة:8-10]. وَلَيْسَ الإِيمَانُ شَعَائِرَ جَوْفَاءَ بَرَّاقَةً لاَ تَنْطَوِي عَلَى حَقَائِقِ الصِّدْقِ، وَدَعَائِمِ الْحَقِّ، مِنَ التَّصْدِيقِ وَالامْتِثَالِ. كَمَا أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ مَعْرِفَةً عَقْلِيَّةً مُجَرَّدَةً، فَكَمْ مِنْ قَوْمٍ عَرَفُوا حَقَائِقَ الإِيمَانِ وَلَكِنِّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا!، وَلَقَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ( [النمل:14]، وَإِنَّمَا الإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالإِذْعَانُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَاللِّسَانِ.
عِبَادَ اللهِ:
وَلَمَّا كَانَ النِّفَاقُ يُخَالِفُ هَذِهِ الْحَقَائِقَ، وَيَتَعَامَى عَنْهَا فَقَدْ حَذَّرَ الإِسْلاَمُ مِنْهُ أَيَّمَا تَحْذِيرٍ، وَذَمَّ أَهْلَهُ، وَعَدَّ أَمْرَهُمْ جِدَّ خَطِيرٍ؛ فَهُوَ حَبْلُ التَّعَاسَةِ وَالنَّكَدِ، وَالسَّبِيلُ إِلَى شَقَاوَةِ الأَبَدِ.
وَلَقَدْ ضَرَبَ أَهْلُ النِّفَاقِ أَمْثِلَةًً غَايَةً فِي الدَّنَاءَةِ وَالسُّوءِ، يَشْهَدُ عَلَيْهِمُ التَّارِيخُ وَأَهْلُهُ عَبْرَ الْعُصُورِ: أَنَّهُمْ يَكْثُرُونَ عِنْدَ الطَّمَعِ، وَيَقِلِّونَ عِنْدَ الْفَزَعِ؛ فَلَقَدْ رَجَعَ رَأْسُ النِّفَاقِ وَالْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ بِثُلُثِ الْجَيْشِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَهُوَ يَقُولُ: عَصَانِي وَأَطَاعَ الْوِلْدَانَ، فَعَلاَمَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا؟!. وَأَطَلَّ الْمُنَافِقُونَ بِرُؤُوسِهِمْ فِي غَزْوَةِ الأَحْزَابِ، وَغَلَتْ مَرَاجِلُ حِقْدِهِمْ عَلَى الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، فَأَوْقَدُوا نِيرَانَ الْفِتْنَةِ، وَاغْتَنَمُوا وَقْتَ الْمِحْنَةِ، وَتَآمَرُوا مَعَ الأَعْدَاءِ الْمُحْدِقِينَ، وَنَقَضُوا عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْعَصِيبِ، وَالْمَوْقِفِ الرَّهِيبِ، وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَذَلَهُمْ، وَأَظْهَرَ حَقِيقَتَهُمْ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَأَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً ( [الأحزاب:12- 14]. وَهُمْ كَذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ، يَنْتَهِزُونَ الْفُرَصَ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ الدَّوَائِرَ.
إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ:
إِنَّ النِّفَاقَ نَوْعَانِ: الأَوَّلُ النِّفَاقُ الأَكْبَرُ، أَوِ النِّفَاقُ الاعْتِقَادِيُّ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الْمَرْءُ الإِيمَانَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْقَدَرِ، وَيُبْطِنَ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ. وَهَذَا النِّفَاقُ هُوَ الَّذِي كَانَ مُنْتَشِراً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ r، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَمِّ أَهْلِهِ وَتَكْفِيرِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
وَالثَّانِي: النِّفَاقُ الأَصْغَرُ، أَوِ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الإِنْسَانُ غَيْرَ حَقِيقَتِهِ فِي الصَّلاَحِ وَالْعَمَلِ.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
وَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - النِّفَاقَ وَأَهْلَهُ، وَبَيَّنَ لَنَا صِفَاتِهِمْ، وَأَوْضَحَ لَنَا سِمَاتِهِمْ، فَهُمْ شَرٌّ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُعْلِنِينَ، وَضَرَرُهُمْ أَعَمُّ، وَخَطَرُهُمْ أَطَمُّ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ بِجِهَادِهِمْ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( [التوبة:73].
أَلاَّ وَإِنَّ أَخْطَرَ صِفَاتِهِمُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بَغْياً وَعُدْوَاناً، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( [النساء:61].
وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَعْرَضُوا، وَإِنْ كَانَ لَهُمُ الْحَقُّ جَاؤُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ مُنْقَادِينَ، كَمَا قَالَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: ) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( [النور:47-49]. وَهُمْ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَالطَّوَاعِيَةِ، بَيْنَمَا نَصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمُ الْحِقْدُ وَالْكَرَاهِيَةُ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ) بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً( [النساء:138- 139].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ أَهْلَ النِّفَاقِ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ رَحِماً وَلاَ ذِمَّةً، وَهُمْ يَمِيلُونَ حَيْثَ تَمِيلُ مَصَالِحُهُمْ، وَيَفْرَحُونَ إِذَا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِشَرٍّ، وَيَسُوؤُهُمْ إِذَا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَﭩ( [النساء:141].
أَعَاذَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ شَرَّ النِّفَاقِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَجَعَلَنَا جَمِيعاً مِنْ عِبَادِهِ الصَّادِقِينَ، أَقُولُ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الرَّحِيمَ التَّوَّابَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ فَقَدْ أَفْلَحَ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( [التوبة:119]، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تَوَعَّدَ بِالنَّكَالِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، وَوَعَدَ الْجَنَّةَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ وَمَا كَانُوا مِنَ الْمُبَدِّلِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْـدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، وَاحْذَرُوا صِفَاتِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَ الْخُلُقُ وَبِئْسَ الْقَرِينُ.
عِبَادَ اللهِ:
لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ وَأُولُو الأَلْبَابِ وَالنُّهَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ شَرُّ النَّاسِ، لاَ يَصْدُقُونَ فِي حَدِيثٍ، وَلاَ يُوفُونَ بِوَعْدٍ، وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ فِي عَهْدٍ، وَلاَ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمْ نَفْسٌ، وَلاَ يَرْتَاحُ إِلَيْهِمْ قَلْبٌ، إِلاَّ مَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ، وَهَذِهِ مِنْ أَقْبَحِ الصِّفَاتِ، وَشَرِّ السِّمَاتِ، لاَ تَكُونُ فِي مُجْتَمَعٍ إِلاَّ أَفْسَدَتْهُ، وَلاَ تَسْتَشْرِي فِي قَبِيلٍ إِلاَّ أَهْلَكَتْهُ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا فَقَدْ تَحَمَّلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ النِّفَاقِ، وَتَجَمَّلَ بِسِمَةِ شِقَاقٍ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».
وَمِنْ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ: تَرْكُ ثَلاَثِ جُمَعٍ تَهَاوُناً وَاسْتِخَفَافاً، وَتَرْكُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ تَثَاقُلاً أَوِ اسْتِنْكَافاً؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ r: «مَنْ تَرَكَ ثَلاَثَ جُمُعَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُتِبَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا]. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ t: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا - يَعْنِي صَلاَةَ الْجَمَاعَةِ - إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَمِنْ أَشَرِّ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَعَلاَمَاتِهِمْ: أَنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ قَوْماً بِوَجْهٍ وَيَأْتِيَ آخَرِينَ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ؛ مُذَبْذَباً بَيْنَهُمْ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ r يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
تِلْكَ بَعْضُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً. فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْهَا؛ فَإِنَّهَا صِفَاتٌ ذَمِيمَةٌ، وَأَخْلاَقٌ أَثِيمَةٌ، عَاقِبَتُهَا الْفَضِيحَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالْهَوَانُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ اللهَ تَعَالَى: ) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( [النساء:145]. وَقَدْ سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ لاَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ النِّفَاقَ؟ قَالَ: «وَمَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ النِّفَاقَ؟!». وَكَيْفَ لاَ نَحْذَرُ الْمُنَافِقِينَ وَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ- وَرَسُولُهُ r مِنْ دَسَائِسِهِمْ، وَأَمَرَنَا بِأَخْذِ الْحِيطَةِ مِنْهُمْ، وَأَلاَّ نَأْمَنَ غَدْرَهُمْ وَخِيَانَتَهُمْ؟!؛ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً( [النساء:88].
وَإِنَّهُمْ لَمَجْمُوعُونَ مَعَ الْكُفَّارِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ جَمِيعاً، وَلَهُمُ الدَّرْكُ الأَسْفَلُ مِنَ النَّارِ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ) إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ( [النساء:140].
اللَّهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ الأَشْرَارِ، وَكَيْدَ الْفُجَّارِ، وَظُلْمَ الظَّالِمِينَ، وَغَدْرَ الْغَادِرِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيِّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي رِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً سَخَاءً رَخَاءً دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة ودروس الإمام